أهداف (مقاصد) الأمم المتحدة الأربعة، التي ليس من بينها هدف العدالة .
التعليقات : 0
بتـاريخ : 01 أبريل 2017
بقـلم: drhaytham

 


صورة ارشفية 

 

 

د.هيثم محمد القرعان 
سفير السلام –
حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة 

أولاً: الميثاق.. قانون دولي : 

يعد ميثاق الأمم المتحدة من الاتفاقيات العامة (الشارعة)، فهو قانون دولي، ذلك أن قواعد القانون الدولي تفتقر إلى السلطة التشريعية الموجودة في القانون الداخلي، حيث لا توجد سلطة أعلى من الدول تشرع قانوناً دولياً، ومن هنا اعتبرت الاتفاقيات الدولية هي القانون الدولي نفسه، لغياب المشرع، وهذا هو شأن ميثاق الأمم المتحدة، الذي هو عبارة عن اتفاقية موقع عليها من قبل دول العالم . 

فماذا قدم هذا الميثاق لحقوق الإنسان؟ وهل يمتلك منهجية لحماية حقوق الإنسان؟ أم هو يتبنى حقوق الإنسان من غير منهجية حقة لتفعيلها على صعيد الواقع؟ وهل يتضمن ثغرات أو تشريعات تفضي إلى انتهاك حقوق الإنسان، فيكون التشريع نفسه هو الذي يساعد على انتهاك حقوق الإنسان ؟! 

ثانياً: قصور الميثاق عن الوفاء بحقوق الإنسان: 

وصف آرنولد توينبي صاحب كتاب «مختصر تأريخ الحضارة» ميثاق الأمم المتحدة بـ : (الميثاق السخيف) ، نظراً لأنه تضمن حق الفيتو للدول الكبرى، الذي يمكن بموجبه إجهاض أي قرار لنصرة المظلوم، ونحن معه في ذلك . 

غير أن عجز الميثاق عن حماية حقوق الإنسان، بعد الإقرار بها، له أسباب عدة، نذكرها بعد أن نذكر أولاً ما وعد به الميثاق البشرية يوم أن صدر عام 1945م. 

1- الوعد غير الصادق: 

نجد في ديباجة الميثاق نصاً يقول : «نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا، أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب، التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف؛ وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان، وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء، والأمم، كبيرها وصغيرها، من حقوق متساوية، وأن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معاً في سلام وحسن جوار»]). 

ونظرة واحدة إلى عالم اليوم ترينا أن هذا الذي سطره الميثاق من إشادة بحقوق الإنسان وإظهار الرغبة في تحقيقها وصونها لم يقدر أن ينفذه على صعيد الواقع، ولن يقدر على الإطلاق، والسر في ذلك: غياب الأنظمة المصلحة للنفس الإنسانية.. المصلحة للفرد، والجماعة، والدولة، وأشخاص السلطات الحاكمة على المستوى الدولي، لذلك فإن العالم اليوم، وبرغم ما سطره الميثاق من نصوص في حقوق الإنسان، يعيش حالة غالب ومغلوب، وظالم ومظلوم، وباغ ومبغي عليه، وتفرد قوة عظمى بالهيمنة على العالم، بل واختطاف الأمم المتحدة نفسها . 

وهذا الوضع المنتهك لحقوق الشعوب والأمم جعل ممثل الصين في مجلس الأمن، وهي عضو دائم، ينفد صبره ويصرح بأن: (أمريكا تتعامل مع مجلس الأمن بالحذاء).. وهذا هو نص عبارته التي نشرتها الصحف في حينه. 

وتأسيساً على ذلك نقول : إن النص على حقوق الإنسان وحقوق الأمم والشعوب شيء، وامتلاك منهجية تفعيل هذه الحقوق شيء آخر.. وإذا كانت العلمانية ونظرية القانون الطبيعي هما الأساس الفكري لهذه التشريعات، فإنهما لا يمتلكان منهجية لتفعيل هذه الحقوق، لأن مدار ذلك كله على إصلاح الإنسان، وإصلاح أشخاص السلطات الحاكمة، وإصلاح المسيطرين على العلاقات الدولية، حتى يكونوا متورعين عن الظلم، والفساد، والجشع، والطمع، لئلا يعيثوا في الأرض فساداً.. ومنهجية الإصلاح هذه لا يمتلكها غير الإسلام لأن مدارها على العقيدة، والأخلاق، والعبادة. 

وعلى ذلك يكون تسطير الحقوق والنص عليها، من غير وجود (منهجية تفعيلها)، كمن يغذي المعدة برائحة الخبز فقط !! 

2- معضلات كبرى في الميثاق تقوض حقوق الإنسان: 

إذا كان ( الميثاق ) قد نص على حقوق الإنسان الأساسية، ونص أيضاً على حقوق متساوية للأمم، كبيرها وصغيرها، فإنه قد أعطى هذه الحقوق باليمين، ولكنه قد سحبها بالشمال، وقوضها من أساسها بأربع وسائل خطيرة في الميثاق نفسه، تشكل أربع معضلات: 

المعضلة الأولى: 

تقويض حقوق الإنسان بواسطة حق الفيتو
وبيان ذلك: أن تشريع الميثاق لحق الفيتو للدول الخمس الدائمة العضوية يمثل قمة الدكتاتورية والاستبداد والطغيان في عصر الديمقراطية، لأنه يجعل من إرادة دولة واحدة متحكمة في إرادة جميع دول العالم، وعددها اليوم 189 دولة، فلو أن هذه الدول جميعاً توجهت إرادتها مباشرة أو بواسطة ممثليها في مجلس الأمن باتجاه قرار منصف وشريف لنصرة شعب مظلوم وإنصافه ، فان إرادة واحدة هي إرادة الدولة صاحبة الفيتو كافية لإجهاض جميع تلك الإرادات.. والأمثلة على ذلك كثيرة كان آخرها استخدام أمريكا حق الفيتو لإفشال رغبة جميع الدول في إرسال مراقبين دوليين إلى فلسطين لحماية الشعب الفلسطيني من اليهود، الذين أهلكوا الحرث والنسل، وأهلكوا البلاد والعباد ، قتلاً، وتدميراً، وتشريداً، على مدار الساعة أمام أنظار العالم والأمم المتحدة . 

وإذا كان حق الفيتو هنا يقوض حقوق الإنسان ويصادرها بإفشال قرار منصف لحقوق الإنسان، فإن له تأثيراً أشد ظلماً من ذلك، فلو أن الدولة صاحبة حق الفيتو أرادت إفناء شعب أو أمة عن بكرة أبيها، وتدمير أي من البلاد التي ترغب في تدميرها، وباشرت ذلك بالفعل على صعيد الواقع بعمل عدواني تباشره بنفسها خارج إطار ما يسمى بالشرعية الدولية، فإنها حسب بنية الميثاق ونصوصه تستطيع فعل ذلك، من غير أن تقدر الأمم المتحدة على إيقافها ابتداءً، أو استمرارًا، أو انتهاءً، لأن المختص بذلك الإيقاف هو مجلس الأمن بقرار من عنده، وسيكون مجلس الأمن عاجزاً عن اتخاذ مثل هذا القرار، لأن الدولة المعتدية ستستعمل ضده حق الفيتو، ويستمر العدوان، ويستمر تقويض حقوق الإنسان ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! 

وماذا ينفع المظلوم أن يشتكي في مجلس الأمن إذا كان ظالمه يملك حق الفيتو؟! 

وفوق ذلك تستطيع الدولة صاحبة حق الفيتو استخدامه ليس من أجل نفسها، وإنما من أجل دولة حليفة لها تعتدي على شعوب من حولها فتحظى بتغطية لاستمرار عدوانها وتقويض حقوق الإنسان بطريقة جماعية، مع أنها لا تملك حق الفيتو، كما تفعل إسرائيل حالياً بالتحالف مع الولايات المتحدة.

المعضلة الثانية: 

تمكين الميثاق للدولة المعتدية من الإفلات من القضاء الدولي: 

وبيان ذلك: أن الميثاق شرع إقامة محكمة العدل الدولية بطريقة تقضي إلى إفلات الدولة الظالمة من القضاء الدولي، وإبقاء الظلم على حاله.. إبقاء الظالم ظالماً، والمظلوم مظلوماً، من غير قدرة للقضاء الدولي على التدخل، لأن النظام الأساسي لمحـكمة العـدل الدولية – وهو جزء لا يتجزأ من الميثاق- ينص على أن لا يتدخل هذا القضاء الدولي إلا إذا رضي الطرفان الظالم والمظلوم بالاحتكام إليه، والظالم لا يرتضي الاحتكام إلى العدالة، لأنه ظالم، ما دام مخيراً أن يقبل أو لا يقبل هذا الاحتكام؟! وهذا ما نص عليه النظام الأساسي للمحكمة الدولية في المادة (36) منه. 

فبهذا التنظيم الفاسد للقضاء الدولي يسهم الميثاق في تقويض حقوق الإنسان بصورة جماعية. فماذا ينفع بعد ذلك أن الميثاق نص على حقوق الإنسان الأساسية وكفلها؟! ونص على حقوق متساوية للأمم كبيرها وصغيرها؟! ونص على منع العدوان!!؟. 

المعضلة الثالثة: 

إغفال الميثاق لمبدأ (العدالة) في أهداف الأمم المتحدة، ومبادئها: 

من المؤسف والمدهش في نفس الوقت أن الميثاق أغفل مبدأ العدالة، فلم ينص عليه ضمن أهداف الأمم المتحدة التي تريد تحقيقها في العالم ، كما لم ينص عليه أيضاً ضمن المبادىء التي تسير عليها الأمم المتحدة  وعلى ذلك فتحقيق العدالة ليس هدفاً منصوصًا عليه في أهداف الأمم المتحدة، ولا مبدأ من مبادئها!! 

النصوص الدالة على إغفال مبدأ العدالة ونتائج ذلك في الواقع : 

حددت المادة الأولى من الميثاق أهدافاً أربعة سمتها (مقاصد الأمم المتحدة) ليس من بينها تحقيق العدالة في العلاقات الدولية بين الدول أو الأمم والشعوب، بينما أعطت في الفقرة الأولى من هذه المادة الأولوية لحفظ السلم والأمن الدولي، فنصت عليه، وعلى ذلك: إذا تقاطع السلم مع العدالة، فلا عبرة بالعدالة وإنما العبرة بالسلم والأمن الدولي، وذلك بإعادة السلم إلى نصابه. 

ويظهر هذا التقاطع في النـزاعات المسلحة، فإذا اعتدت دولة كبرى تملك حـق الفيـتو أو حليفتها على دولة صغيرة أو متوسطة، وأفقدت شعبها كل حـقوق الإنسـان، وأدخلته في نفـق الحصار أو مصادرة وطنه مع الجوع والفقر والتشريد والقتل التي تمثل انتهاك حقوق الإنسان بصورة جماعية، فإنه مع نص الميثاق على السلم وإغـفال العـدالة لا يكون أمامـه إلا ثلاثة خيارات: 

الخيار الأول: 

أن يستسلم مكرهاً أمام القوة المادية المعتدية ويسكت على فقدان حقوق الإنسان، وبذلك يتحقق السلم بين ظالم قوي ومظلوم ضعيف، فبموجب ميثاق الأمم المتحدة يكون قد تحقق السلم أو عاد السلم والأمن الدولي إلى نصابه، ولا عبرة بإنصاف هذا الشعب وتحقيق العدالة له ما دام قد تحقق السلم وهو الهدف وليس العدالة. 

ولا شك أن في ذلك هضماً كاملاً لحقوق الإنسان بصورة جماعية، يسهم فيه الميثاق بتبنيه هدف السلم وإغفاله هدف العدالة . 

الخيار الثاني: 

أن يرفع شكواه إلى الهيئة العامة للأمم المتحدة، لتجيبه أنها غير مختصة وإنما المختص بذلك مجلس الأمن حسب أحكام الفصل السابع من الميثاق الخاص بالنـزاعات المسلحة، فيتحول الأمر إلى مجلس الأمن الذي رتب الميثاق مسبقاً عجزه عن اتخاذ قرار لإيقاف عدوان الدولة الكبرى المعتدية، بسبب حق الفيتو فيستمر العدوان إلى أن يتم الاستسـلام، فيتحـقق السلم والأمن الـدولي ولا عبرة بضياع العدالة وحقوق الإنسان. 

الخيار الثالث : 

أن يلتجىء إلى محكمة العدل الدولية لتحقيق العدالة فتجيب أنها غيـر مختصة في نظر شكواه حسب نصوص الميثاق إلا إذا قبل الطرف المعتدي، أي الجانـي، الترافع أمام المحكـمة، وما دام الجاني لا يقبل الترافع أمام المحـكمة فـلا سبـيل إلى اختصاص المحـكمة أو تحقيق العدا!! 

وكل ما تقدم يدل على أن الميثاق بني على تبني مبدأ السلم وتقديمه على مبدأ العدالة، بل إغفال مبدأ العدالة في النـزاعات المسلحة أصلاً، وهو بذلك يسهم في هدم حقوق الإنسان التي نص عليها، فيكون قد نص عليها من جهة وعرضها لأبشع درجات الإهانة والإذلال والمصادرة من جهة أخرى. 

واكبر دليل هو استقالة معالي السيده الامميه اردنية الجنسية ريما خلف السياسية والاقتصادية ألاردنية، والتي شغلت مناصب وزارية في بلدها، استقالت من منصب الأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) على خلفية سحب تقرير دولي يتهم إسرائيل بممارسة اضطهاد للشعب الفلسطيني. وبناء على طلب من الامم المتحدة وامينها العام إذ عملت مساعدة للأمين العام للأمم المتحدة ومديرة إقليمية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بين عامي 2000 و2006، وأطلقت -وهي تتولى هذا المنصب- مشاريع لتعزيز الحكم الرشيد وحقوق الإنسان والتنمية البشرية في البلدان العربية. هذا كله فيما يتعلق بأهداف (مقاصد) الأمم المتحدة الأربعة، التي ليس من بينها هدف العدالة . 


قيم الخبر :

انشر الخبر على :

شارك برأيكك و اكتب تعليقك

إكتب تعليقك

يجب أن تسجل دخولك لكتابة تعليق.

عدد المواضيع: 106

عدد التعليقات: 0

المنظمة الدبلوماسية العالمية هي منظمة دولية مسجله تحت رقم ^1437905-NGO^
 
العربيةEnglishFrançaisItalianoEspañolУкраїнська
This site is protected by Eng Mohammed Kher ALkhawaldeh